COME ON...!!! COME ON!!

QUIT JUMBLAT and JOIN THE FORCE

GEAGEA DO IT....DO IT

تفاصيل حديث الساعة بين جعجع وعون

حبيب يونس - مجلة المسيرة

20 ايار 2005

تصافح المنفى والسِّجن، ثم تعانقا... وأُغلق، مذ التقت النَّظرات، كتابُ حرب قرأ فيه رجلان، كلٌّ من منظاره، آفاق مرحلة سياسية، فلم يتوافقا... ليلتقيا بعد ستة عشر عامًا، وتتضامن معاناة الأعوام الخمسة عشر المنتهية، مع معاناة الأعوام الأحد عشر المستمرة، وتنفتح الصفحة الأولى في كتاب جديد فحواه، كما اختصره العماد ميشال عون "إعادة العلاقات الطبيعية الإنسانية بين مسؤولَيْن تطمينًا لقواعد الذين يعملون معهما، لأن لا صراع ولا خلاف على الأهداف البعيدة بل ربما تنافس في السياسة"...
وتشاء المصادفة أن يكون الدكتور سمير جعجع قرأ في سجنه كتبًا هي نفسها التي قرأها الجنرال، منذ مطلع شبابه إلى اليوم، واستأثر مضمونها بجزء مهم من "حديث الساعة" الذي دار بين الرجلين، في "غرفة المواجهات" في سجن وزارة الدفاع، وصار حديث الساعة لدى الجميع.


اللِّقاء الأخير بين العماد ميشال عون، وكان لا يزال رئيسًا للحكومة الإنتقالية، وقائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، عقد في قصر بعبدا، عشية عيد الميلاد من العام 1989. كان اتفاق الطائف الذي عُدَّ مشروعًا لإنهاء الحرب، أُقرَّ، وليس للرَّجلين حياله رؤية واحدة، والتَّجاذب المحلي والإقليمي والدولي على أشدِّه، على المسرح اللبناني. ولقاء الأربعاء هو الأول بينهما، مذذاك، وأتى غداة تحرير لبنان من الإحتلال السوري الذي كانا من أبرز ضحاياه. التَّحرير الذي رفع لواءه عون وجعجع، كلٌّ من موقعه وفي مواقع كثيرة مشتركة، وقد تمَّ أخيرًا، والأوَّل في المنفى والثاني في السجن.
من شاهد العماد عون، بعد زيارته الدكتور جعجع، في سجنه، "تضامنًا معه"، كما قال، صباح الأربعاء 18 أيار 2005، لاحظ التأثر الشديد الذي بدا عليه وتملَّكه، ممزوجًا بفرح أنبتته في نفسي الرجلين الدقائق الستون، وبإعجابه بصفاء "سجين الحرية" ذهنيًّا ونفسيًّا، وإشادة بشجاعته وطول أناته، على رغم الأعوام الأحد عشر في السجن الإنفرادي.
ومن تأمَّل الجنرال، وهو يتوجَّه من داخل دارته في الرَّابية، إلى الحديقة، الأولى بعد ظهر ذاك اليوم، ليعقد مؤتمرًا صحافيًّا يتحدث فيه عن تلك الزيارة ويعرض لأبعادها ومعانيها، أحسَّ أن في وجهه أخبارًا كثيرة، لكنه لم يروِها كلَّها، ليس لأن المجالس بالأمانات، بل لأن ذاك المجلس، وفي هذا الظرف بالذات، أحيا في النفوس شعلة الأمانة التي تنكبها المقاومون.
كثر من الصحافيين وغير الصحافيين حاولوا معرفة تفاصيل عن ذاك اللقاء. ألحوا ولم يرووا ظمأ مبتغاهم. روى الجنرال ما يرى أنه كافٍ، عملاً بمبدأ يعتمده، هو أنه لا يكشف أسماء زواره، ولا يفصح عما يدور من أحاديث بينهم، إلا إذا هم كشفوا وأفصحوا. وفي انتظار أن يتمكن جعجع يومًا من أن يكشف ويفصح، قال عون ما يجب قوله... "ولا أريد الدخول في أي تفاصيل".
وعلى رغم ذلك، رشحت تفاصيل عن ذاك اللقاء، من بين الكلمات المتناثرة، هنا وهناك، من فم الجنرال، وبعض المحيطين به. لم يتوقف عندها كثر، لكنها تعني كثيرًا لمن يتابع وضع الدكتور جعجع بالشوق والقلق وحب معرفة أدق الأشياء عنه.
ولنرسم مشهد اللِّقاء، في ضوء ما توافر من معلومات، ولو شحيحة:
نزل الجنرال الذي وصل، السابعة والنصف صباحًا، إلى اليرزة، بعد حصوله على إذن من النيابة العامة التمييزية بالزيارة، إلى حيث غرفة المواجهة القريبة من زنزانة جعجع، برفقة حراس السجن. انتظر قليلاً، ثم أطل جعجع، بلباس جينز أزرق، حليق الذقن، وكان على علم مسبق بالزيارة، فلم يفاجأ بها.

خرج الحراس، وتركاهما وحيدين في غرفة المواجهة، من دون مراقبة. فتصافح الرجلان من طاقة الزجاج الفاصل بينهما، واستطاعا أن يقبِّل أحدهما الآخر. لاحظ الحكيم أن الجنرال الذي كبر ست عشرة سنة عن آخر لقاء بينهما، لم تتغير ملامحه قط. هكذا قال له، في أول تعليق، بعد الـ"أهلا، الحمد لله على السلامة، تابعت عودتك مذ أعلنت، وفرحت أنك عدت أنت وعائلتك". أجابه: وأنا أتمنى أن تخرج من السجن قريبًا، لتعود إلى أسرتك ومريديك. نحن الإثنين عانينا كثيرًا، وعسى الأيام المقبلة تحمل لنا وللبنان أيامًا أفضل. أرى أنك بصحة جيدة، لكنَّك ناحل بعض الشيء. فرد جعجع: نحولي قرار شخصي، هكذا أفضل، في الظروف التي أعيش فيها. وأتبع حمية وغذاء خاصًّا.
ودخلا من فورهما في صلب الموضوع، "طي صفحة الماضي الذي أصبح ملكًا للتاريخ كي نتطلع إلى المستقبل ونبني لبنان معًا"، على ما صرح الجنرال في مؤتمره الصحافي. وأكد له أنها زيارة تضامن وأن وجوده في السجن ظلم.
لم يأتِ أي منهما على ذكر شيء عن المرحلة التي تصادما فيها عسكريًّا. ليس السجن المكان المناسب لحديث من هذا النوع. سأله الجنرال كيف يمضي أوقاته؟ فأجاب الحكيم: بالقراءة والصلاة.
وعلق الجنرال: وأنا كانت القراءة، خلال وجودي في السفارة الفرنسية، سلوًى أساسية، ومن ثم في المنفى الفرنسي، على رغم انشغالاتي الكثيرة، خصوصًا في الأعوام الأخيرة. هذه السنوات الخمس عشرة أتاحت لي فرصة كبيرة للتأمل والقراءة الكثيفة. وماذا تقرأ حكيم؟
رد، بصوت واضح: أقرأ، منذ سنوات قليلة، كتبًا متنوِّعة أغلبها طابعه ديني وروحي وإجتماعي، ومنها كتب لفرويد وعن الديانات الآسيوية.
استوقفت الجنرال أسماء عدد من الكتب التي كان هو قرأها شابًّا، إبان خدمته ملازمًا أوَّل، في صيدا، خصوصًا عن تلك الديانات. وناقشا مضمونها، من منطلق أن الإحاطة بها جميعًا، والتعمق فيها، يجعلان الإنسان حكيمًا جدًّا، يعرف أسرارًا في الحياة، لا تتوافر معرفتها لكثر، وتؤثر في طرق التصرف.
وعلى فنجاني قهوة قدما إليهما تابعا الحديث، بفرح متبادل، على ما أحس الجنرال شخصيًّا، ولاحظه في نفسية الحكيم... وفهم عون أن جعجع لا يتابع الأخبار من مصادرها، إذ لا تلفزيون في زنزانته الجديدة، ولا راديو، ولا صحف، بل من خلال زواره الدائمين، أي أفراد عائلته أو محاميه إجمالاً، أو زوار آخرين، يحصلون على إذن خاص لمقابلته، من حين إلى آخر.
وبعد ماذا يقرأ أيضًا؟ أجاب جعجع: يسمح لي بإدخال مجلات فنية. فعلَّق عون: إذًا قد تكون استطعت، من خلالها، تكوين فكرة عن تطور المجتمع اللبناني. رد: أكيد، أكيد...
ولم يعرف رأيه في هذا التطور، ونظرته إلى هذا المجتمع، هو البعيد عنه، منذ أحد عشر عامًا.
نظر الجنرال إلى ساعة يده. أبلغ جعجع بوجوب مغادرته. أجابه: "خليك بعد". فقال: يا ليت، لكن الوقت المحدد للقاء انتهى. مرت ساعة، لم يحسا بدقائقها وثوانيها. والوقت الذي يمر سريعًا، كثيرًا ما ينطوي على فرح، على عكس وقت القلق أو الإنتظار أو الوقت المختزن شوقًا.
تصافحا من جديد. وتودَّعا على أمل أن يلتقيا المرة المقبلة، وجعجع حر طليق.
اللقاء مؤثر. ردَّدها الجنرال، أكثر من مرة، علنًا، وأمام كل من سأله عنه، لاحقًا. وما الإنطباع الأولي الذي كونه عن جعجع؟ علق بالفرنسية: Il est lucide. أي واضح وصاف، ذهنيًّا ونفسيًّا. وأردف: Tres lucide.
لم يتطرَّقا إلى أي شأن سياسي. صحيح. لكن مجرد اللقاء كان ذا بعد سياسي، وإن غير مقصود. وقد تكون الرسائل الكثيرة التي تضمنها، وصلت إلى من يجب.
وعلى الغداء الذي أعقب المؤتمر الصحافي، اتصلت السيدة ستريدا جعجع بالعماد عون. حديث هاتفي لم يتجاوز الدقائق الثلاث، أخبرها خلاله عون عن وضع الحكيم، وكيف وجده، ونقل إليها سلامه، وقال: أخبرته أنك زرتني على رأس وفد من القوات اللبنانية لتهنئتي بسلامة العودة، وصرحتِ أن صفحة الماضي طويت

 

HOME